الضوء والظل أولى ثنائيات الإدراك البصري

اللون والعقل واللغة 


ساطع هاشم
اللون إحساس، يصلنا عن طريق أقدم الحواس وأكثرها فعالية في الجسم البشري، الا وهي العين، وهو ليس شيئا يمكن لنا لمسه وحفظه في وعاء مثل بقية المواد، انما هو موجات» ذبذبات ضوئية كهرومغناطيسية تخترق العين وتقوم شبكية العين بتصفيتها من الاشعاع الضار وترجمتها كلون، او تركيب لوني، عبر صبغة ثلاثية الألوان موجودة في الشبكية احمر، اخضر، ازرق ثم ترسلها الى الدماغ البصري الذي يقوم بتفسيرها، كشيء ملون معين ذي شكل وحجم معين. واللون» الضوء هو طاقة كهرومغناطيسية تنتشر في الفضاء على شكل موجات او ذبذبات تنبعث على الاغلب من الاجسام الحارة، واهم هذه الاجسام بالنسبة لنا هي الشمس، والاشياء والكائنات التي يقع عليها ضوء الشمس او غيرها تمتص سطوحها قسما من تلك الموجات» الذبذبات وتعكس الباقي كألوان مختلفة نراها في حياتنا اليومية ونميز فيما بينها اي ان الدماغ هو الذي يرى وليست العين وبهذا المعنى فاللون احساس » طاقة يشبه احساسنا بالحرارة والبرودة والرطوبة وغيرها.
اللون ظاهرة طبيعية، فهو الجزء الصغير الظاهر من الضوء لحاسة البصر والمحصور بين الاحمر والبنفسجي وكل ضوء موجات» ذبذبات فوق البنفسجي او تحت الاحمر لا يستطيع البشر رؤيتها بل الاستدلال على وجودها واستغلالها عبر اجهزة خاصة صنعت بفضل نظريات علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء الحديثة مثل موجات الراديو وغيرها.
دارون وابنه
ورغم تطور اللغات الهائل اليوم قياسا الى مابدأت منه قبل الاف السنين، فلا يمكن الركون اليها دائما في معرفة الالوان والاحداث، ومن هنا جاءت العبارات صورة واحدة تعوض الف كلمة او شئ لا يمكن وصفه بالكلمات وماشابه، حيث نعاني صعوبة كبيرة في تخيل المشاهد البصرية والملونة من خلال الوصف البلاغي اللغوي، ويكاد ان يكون من المستحيل علينا ان نعرف المشهد بدقة كما تصفه الكلمات.
وهذه الحالة ما زالت موجودة، وهي طبيعية، فليس بالضرورة ان يكون التوصيف دقيقا، اوان ما اريد وصفه لغويا يكون صحيحا بصريا ايضا، وهذه احدى المشاكل التي تواجه الباحث في تاريخ اللون، فهذا ما جعل حتى تشارلس دارون مثلا يقع في خطأ، عندما لاحظ ان احد ابنائه، عندما كان في سن الثامنة من العمر، كان يصف الاشياء بغير اسماء الوانها المألوفة، فتوهم بان ابنه هذا لا يستطيع تمييز الالوان وانه مصاب بعمى الالوان، والحقيقة هي ان هذا الطفل لم يمتلك في جعبته الالفاظ الكافية لأسماء الألوان.
و الشئ نفسه حدث مع الاقدمين أيضا،إذ لم تكن حساسيتهم اللونية أقل منا أبدا، بل ربما العكس، ولكن حياتهم ومن ثم لغاتهم لم تكن بحاجة الى هذا النوع من الدقة التي نحتاج اليها نحن الآن، وايضا لأن معارفهم عن الألوان نفسها كانت مختلفة عن وجهة نظر العلوم الحديثة، لكن قطعا ليست حساسيتهم اللونية وادراكهم البصري للعالم والكون المحيط. هناك اسباب اخرى طبعا لعل أحد اهمها هو بايولوجي بحت، حيث ان جهاز النطق عند الانسان حديث نسبيا قياسا بجهاز البصر، فقد تكوّن عند الانسان قبل حوالي سبعين الف سنة فقط، بينما الجهاز البصري يعود تاريخه الى تلك الحيوانات التي انحدر منها الانسان قبل اكثر من 400 مليون سنة، وقد مر بتحولات طبيعية عميقة وجذرية، ومنذ ان نشأ جهاز النطق في الصدغ الايسر، اصبح للانسان وسيلة تعبير صوتية مرافقة للبصرية طورها باستمرار، بدأت من كلمات قليلة ترافقها حركات واشارات باليد والرأس وتعابير الوجه، ثم زادت تعقيدا وتنوعا حتى اصبحت ما نطلق عليها الآن اسم اللغات الحية التي تميز الشعوب والقوميات عن بعضها.
الألوان الأساسية
أسماء الألوان الأساسية في كل لغات العالم محددة بإحد عشر مصطلحا اساسيا او اسما» وصفا فقط ولا توجد لغات لديها اكثر من هذا العدد، ولكن توجد تنويعات لإسماء كل لون مصطلح اساسي على حدة تزيد وتقل حسب حاجة تلك اللغة والناطقين بها لوصف المحيط مثل قولنا سماوي، نيلي، شذري، التي جميعها تدل على الازرق بدرجات لونية مختلفة وكلمة ازرق هي المصطلح الاساسي، و أوصاف مثل رمّاني، أرجواني، وماشابه تدل على الأحمر. والالوان الاساسية، او المصطلحات الاساسية، للالوان كما يعرفها الانسان الحديث بالعالم حسب نشوئها وظهورها عبر التاريخ، وفي سلم التطور الحضاري للمتكلمين بلغة معينة كالتالي ثنائية المظلم »المضيء او الاسود » الابيض، الاحمر، الاصفر، الاخضر، الازرق، القهوائي، البنفسجي، الوردي، البرتقالي، الرمادي.
ثنائية الضوء والظلام، النور والعتمة ، الليل والنهار هما اولى عناصر تجربة الانسان البصرية التي اثارت خيالاته وحركت عقله وتساؤلاته وشكلت وعيه بالكون والعالم والغازه العميقة، ومع اكتشافه النار وبدئه انتاج الادوات البسيطة تعرّف على الرماد والفحم، فولِدت من هناك الاصباغ السوداء ورموزها ودلالاتها، واخذت شيئا فشيئا ترسم صورة ما لا يرى، وتجسد بصريا حياة الانسان وخوفه وضعفه وقلقه الدائم في خطوط واشكال لرموز تمثل نفسه وحيواناته وادواته منقوشة على جدران كهوف مظلمة وعميقة، فصار الاسود رمزا لانعدام الانارة والظلام والليل، وطقوس الموت والميلاد، والاحلام والاسرار، واعماق الارض التي تمثل الخصوبة والعطاء، ورمزا لرحم المرأة والانجاب، وتكاثر الحيوانات وديمومة الحياة. ومع اختراعه لطريقة في استخراج اللون الأحمر من المواد الطينية المعدنية وهو اللون التالي للأسود في الاهمية والقدم نضجت عدته الفنية وتعمقت رمزيته و توسعت أفكاره، وربط كل معارفه وامانيه في طقوس سحرية مليئة بالاصباغ الحمراء والسوداء وتدرجاتها اللونية، ثم اضاف اليها اللون الاصفر والمستخرج من نفس المواد الخام للاحمر والابيض من الاحجار والمواد الكلسية، وكانت موجبات استعمال هذه الاصباغ» الالوان الاربعة مادية» اقتصادية اولا ثم روحية فكرية» فنية ثانيا، ولم تخلق انجازاتها لتكون اعمالا فنية بحد ذاتها، كما نفعل نحن في زماننا المعاصر، انما لأغراض وظيفية بحتة، سعت الى اشباع بطن الانسان، وفضوله الدائم وحاجته لمعرفة العالم ونفسه واسباب ومبررات الوجود، واستعملت هذه الالوان الاربعة فقط طوال آلاف السنين منذ بداية العصر الحجري القديم وحتى بداية العصور التاريخية بحدود 3500 4000 قبل الميلاد.

 

Print Friendly