عن الشعر والمنفى والشيوعية: حوار مع الشاعر العراقي عواد ناصر

الشاعر العراقي عواد ناصر: أنا ابن شارع أميل للوردة الذابلة لا لساحة الاحتفالات الباذخة


حوار: حكمت الحاج

بمناسبة صدور المختارات الشعرية “أحاديث المارة” عن منشورات المدى بدمشق، عواد ناصر يتحدث للزمان عن الشعر والمنفى والشيوعية.

- كتبتَ تقول انك لمْ تخَفْ شيئا في حياتك إلا اثنتين: كتابة الشعر ومن ثم نشره في كتاب. وجئتنا بدليل على مصداق قولك وهو امتناعك عن طبع شعرك في كتاب منذ العام ١٩٩١. كان ذلك بمناسبة أن صدرت لك المختارات الشعرية بعنوان “أحاديث المارة” عن منشورات المدى بدمشق عام ٢٠١١. أي انك أخيرا قد اقترفت ما كنت تخافه طوال عقدين من الزمان. هلا أوضحت لنا ما هي أسباب ذلك الخوف وأيضا أسباب تحديه؟

- هل ناقضتُ نفسي بأني أستأنف صمتي وامتناعي عن طبع شعري في كتاب؟ الجواب نعم. وهذا لا يثير الاستغراب أبداً. فمثل هذا التناقض، سجية شعرية. وإني إذ أقترف العلن اليوم، بخلاف ما أقدمت عليه من عزلة وصمت في السابق، فذلك لأنني قد ضقت ذرعاً بعزلتي الشعرية. وكان تراكم القصائد في أوراقي وذاكرتي وحاسوبي أحد أشكال التعذيب الذاتي، بل أحد أسباب أرقي المزمن. وما قمت به هو شكل من أشكال الهرب من المسؤولية، وطريقة إعلامية لأقول لأصدقائي، على الأقل، إنني مستمر في كتابة الشعر، ولم أتوقف، أي إنني مستمر على معاقرة الحياة، كل دقيقة، وهي دقيقة مزمنة، أكون فيها إما في حالة تحضير قصيدة أو كتابة قصيدة أو القلق على نشر قصيدة.

- وكيف تم الأمر إذن؟ هل في غفلة من القصيدة أم في غفلة من الزمن؟

- لقد تناوشني خياران، جعلاني مثل بندول: أن أطبع شعري في كتاب أو لا أطبعه. كنت ميالاً إلى اللامبالاة إزاء شعري، فجدوى الشعر، عبر التاريخ هي لاجدواه، رغم الضجيج الذي يصنعه الشعراء حول أنفسهم وأدوارهم وبطولاتهم ونجوميتهم، إذ ثمة أسباب كثيرة، غير القصيدة المهمة، ولا أقول الجميلة، صنعت نجومنا الشعريين، والنقد العربي ليس بريئاً عندما يرضخ لسلطة الشاعر النجم/ المكرس/ المنتشر/ النشيط إعلامياً، حتى بلغتُ حالاً، تشبه حال جندي يخوض حرباً بلا أي أمل بأي ظفرٍ ما، إنما يخوض معركته الصغيرة بدافع اليأس لا أكثر.

- هل هو موقف من الحياة أم كان موقفاً من الثقافة برمتها ذاك الذي دفعك الى نشر شعرك؟

- لا هذا ولا ذاك. لكني إذ أرى إلى الواقع العربي اليوم، أو أي يوم مضى، وما سيأتي في الأفق ليس الفجر، فلا أجد سبباً يحرضني على نشر شعري لمواطنين لا يقرأون (راجع أية إحصائية بشأن قراءة العرب للكتب) وهنا لا ألوم المواطن العربي، ضحية “ثقافة” لا وجود لها ولا دور، منذ سنوات بعيدة وأخرى مقبلة، فالكتاب، الشعري – وهو موضوعنا – لا يسجله هذا المواطن على قائمة تسوقه اليومي، الشهري، الفصلي، السنوي.

- فلماذا تكتب أصلاً إن كنت ترى الأمور بهذه الصورة؟

- أنا أكتب لأتمتع خلال لحظة الكتابة، خصوصاً عندما يخامرني شعور الناقد في داخلي بأنني كتبت نصاً جميلاً، وفق ذائقتي النقدية، وهي ذائقة قد لا تكون موضوعية، لكن الشعر، نفسه، ممارسة ليست موضوعية أبداً. أكتب من دون أي إيمان بتلك الرسالة التي سلبتنا خصوصيتنا الشعرية: القصيدة سلاح في المعركة. إن كل أسلحتكم الفتاكة فشلت في حروبكم الكبيرة والصغيرة، فكيف لقصيدتي أن تكون سلاحاً في المعركة.

- وهل كتبت كثيرا؟

- نعم، كتبت طويلاً، وكثيراً، ومزقت قصائد، وأضعت قصائد، بل ضيعت دواوين شعر كاملة خلال الرحيل والانتقال “كمهرب بين دولة الواقع ودولة الخيال” كما كتبت في إحدى قصائدي في وصف الشاعر. لقد نشرت “أحاديث المارة” نهاية العام الحادي عشر بعد الألفين، وأحسبه، كتابي الأول، وما نشرته من كتب سابقة ضاع في معارك الأحزاب والدول والحروب الأهلية، وديس تحت الأقدام، في بيروت ودمشق، أقدام الجنود والمناضلين ومسؤولي المنظمات الإعلامية والعسكرية. وأخيراً، قررت في لحظة طيش شعري أن أطبع كتبابي “أحاديث المارة” وليكن ما يكون، ولست أطمح بأكثر من توثيق شعري لما قمت به، والإعلان عن أن ثمة شاعراً مغموراً ما زال يكتب الشعر، وأنا سعيد لأنني مغمور أكثر من أي شاعر سعيد بنجومية واهمة.

- تبدأ المختارات بنص القصيدة الضائعة مذيلة في ٢٠١٠ بلندن وتنتهي المختارات بقصيدة “الكلمات” وهي مذيلة في ١٩٧٦ ببغداد. ترى أي هاجس جعلك تحرص على ترتيب قصائد كتابك الضخم هذا (٢٨٤ص) بهذا التسلسل من الأحدث إلى الأقدم على المستوى الزماني؟ أية دلالة تكمن خلف هذا الاختيار؟

- ليس، ثمة، غير دلالة واحدة هي أن أضع السيرة الشخصية لقصيدتي بين يدي قارئي (أو ناقدي إن وجد).. إنه لا أكثر من توثيق.

- رغم أن كتابك “أحاديث المارة” يعج بمختلف التنوعات الشعرية والاتجاهات الفنية في القصيدة المعاصرة، إلا أن القصائد التالية هي التي استوقفتي كثيرا، وأنا اتطلع إلى تجربتك الشعرية المبسوطة في هذه المختارات التي تمسح مدى زمنيا واسعا: المطبخ العراقي ص ٧٦ أغنية جديدة ص٥٧ أحوال الشاعر ص٥٤ مدينة الثورة ص٣٨ سعدي يوسف بورتريه غير شخصي ص٢٧ وبكل صراحة فإن ما استوقفني فيها هو اختلافها التام عن باقي قصائد المختارات إنْ كان ذلك في التوزيع البصري للقصائد حيث جاءت مكتوبة بطريقة الفقرات التي يتميز بها النثر العادي وليس بالطريقة العنقودية التي يتميز بها الشعر الحر، أو إنْ كان في البنية الإيقاعية حيث يختفي الوزن وتختفي القافية تماماً، أو كان في المضامين حيث تخرج الأنا المتكلمة للشاعر من مكمنها لتفسح في المجال لذوات أخرى كي تحتل المجال ويحضر المكان المغاير بقوة كمثل المطبخ والحديقة ومدينة الثورة وشارع السعدون وبناية طريق الشعب الخ.. ومن ذلك فأنا أرى ان ثمة وليداً يحمل اسم قصيدة النثر يكابد للخروج والنضوج في مسيرتك الشعرية بينما تقف في وجه ذلك بعض الموانع منها ما هو شعري فني ومنها ما هو فكري عقائدي. ما رأيك أنت؟

- إنه سؤال مركب، معقد، “يجبرني” أن أكون في مستواه، وأبعد منه، وأطول منه قليلاً (ضحك). أزعم، يا صديقي، بأنني أتمتع بحرية داخلية، أو – بصيغة أخرى أكثر تواضعاً – أحاول تطبيق مبدأي الحر، داخلياً، على ما أسلك، سواء في الشعر أو الشارع، فأنا رجل لا توجد خطوط حمراء كثيرة في حياتي، وفي كتابتي، وهذا ما أورثني متاعب جمة، ليس أولها خروجي على الآيديولوجيا وما يمثلها من حزب، جماعة، منظمة… إلخ. بل خروجي الأخير من العائلة، أيضاً. لم يتح لي كمواطن تطبيق “نظريتي” بشأن الحرية إلا مع نفسي، ومع أصدقاء حميمين تفهموا مقصدي، على أن الشعر هو المساحة الوحيدة التي لا أساوم على ما تتيحه لي من “ملعب” لألعب، على راحتي، رغم ما يسببه لي الآخرون من آلام بسبب “لعبهم الخشن”. وهكذا، شرعت في أن أكتب قصيدة بلا شكل مسبق ولا موضوع مسبق، وأنت شاعر وتعرف: كم القصائد تبدأ بها لتنتهي نهايات “غير سعيدة” أو مثل طفلة تعبر قنطرة فتزل قدمها لتسقط في الساقية. لا تستغرب إذا قلت لك، إنني انتهيت، قبل قليل، من كتابة قصيدة غزل رومانسية عمودية!

- أنت كشاعر حديث لا تتورع أبدا عن الولوج إلى بعض المناطق المسكوت عنها والمحظور الإشارة إليها مثل التصورات والتجارب الإيروتيكية. تقول في قصيدة بعنوان “الموديل”: أعجب من ذاك الكرسي/ تحتك به حمالة نهدين شريدين/ ولا يغضب/ لا عري على سطح اللوحة/ بل جسد تام/ فيقوم حوار وتصير مشاكل/ البنت هناك على الصوفا/ تركتنا لتنام.. وربما هي نفسها التي تقول عنها في قصيدة أخرى بعنوان “قصة حب”: البنت عند تمام صبوتها/ وفي العتبات عشب الله منسي/ وعاصفة تهبُّ/ وعلى رؤوس الطير تنكسر العِصِيُّ/ وتُشَنُّ حربُ.. هذا كلام مكشوف في عرف الأدب فهل لديك رغبة في المخاطرة بالحسيِّ على حساب الشعريِّ؟

- المحظور والمباح، نسبي في ثقافتنا العربية والإسلامية، وما يؤشر لبؤس ثقافتنا المعاصرة أنها لا تمتع بحرية السلف الخلاق (لنتذكر إيروتيكية جدنا امرئ القيس)، وما “العرف”؟ أعتقد أن الشاعر الحقيقي مكرس لمناهضة العرف، كما مناهضة التمييز العنصري. وأنت تعرف إن الشعر العظيم، عبر تاريخه، هو من تصدى للسائد، للساكن، للعرفي، للأخلاقي المتخلف. وبصراحة يعجبني، بشكل متطرف، اختراق السكون العربي، لمجرد اختراقه حتى. فما ان تضرب بقدمك حجراً ثابتاً في الأرض، فستتمكن من تغيير مكانه أو إزالته، وقد يطول الزمن أو يقصر. الأمر متوقف على رسوخ الحجر وهمة الشاعر. القصيدة، التي أوردتها في سؤالك، ليست إيروتيكية، إنما جاءت بعض الإشارات الجنسية لتصنيع مناخ القصيدة، فالبنت (الموديل) تركتنا، في نهاية المطاف، أنا وصديقي الرسام، لتذهب إلى النوم. إنها قصيدة عن عن الحرب وليست عن الحب، كما يتضح في سطورها الأخيرة.

- وهل هذه هي غرضية شعرية جديدة تبشر بها على غرار أغراض الشعر العربي القديم؟

- لم تعد القصيدة الحديثة، حسب رأيي، قصيدة “غرض” كما كانت أيام العصور الشعرية القديمة. قصيدة اليوم ابنة واقعها المعقد، العصي على التصنيف والغرضية والتخصصية، لأن عصرنا لا يتيح لنا قبلة من دون قلق ولا قصيدة من دون فواتير منزلية، ولا لحظة جنس من دون طائرة معادية تعبر سرير النوم.

- في سياق الحديث عن شعرك كتب الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف ذات مرة قائلا إن القصيدة الحديثة لم يعد لها شكل محدد بل أصبحت مجموعة أشكال. وهو قد لاحظ إن الشكل الشعري عندك قد طاله التغيير أيضا. وَكَمْ هو محقٌّ في ذلك. فالمتتبع لقصائدك هنا في “أحاديث المارة” يلاحظ ذلك المدى العجيب من التنوع السهل المخيف في آنٍ. فمن القصيدة التجريدية الفكرية إلى قصائد تنتمي بسهولة إلى الأدب الإيروتيكي إلى قصائد تؤرخ للنضال الشيوعي في صفوف حركة الأنصار في كردستان العراق ضمن فترة تاريخية محددة. أسألك كيف يمكن للشاعر أن يكون شيوعيا الآن مثلا؟

- هذا سؤال فخ آخر، لأن أسئلتك، بجملها، هي فخاخ نقدية، أشكرك عليها لأنني أحب الاستفزاز النقدي، فهو يحكيني ويحرضني على الحكي. رأي سعدي يوسف ينطوي على جرأة الشاعر الخبير، فالقصيدة الحديثة، كما أسلفت، كتابة مفتوح، مثل غرفة فيها من الأبواب والنوافذ أكثر مما فيها من جدران. هذا الجانب التقطه سعدي في قصيدتي، وفق خبرة يختزنها جعلته شاعراً مؤثراً في أجيال تالية، وهو شخص ماكر في إبداء آرائه في الشعر والشعر، فهو كثيراً ما يقول رأيه في شعري، خلال اللقاءات الشخصية أو عندما تضمنا جلسة خاصة، أو عبر الهاتف، أكثر بكثير، بل أخطر وأعجب، مما أثبته في غلاف كتابي كرسالة صغيرة منه، أعتز بها لكنني لم أعد متحمساً لوجوب وضعها على غلاف كتابي، وهذا لا يقلل من اعتزازي النقدي بكلمته الموجزة، إنما كان يفترض بي أن أترك كتابي يخوض “معركته” وحيداً بلا أي سند أو استناد أو تساند. أما عن التنوع، فقد أشرت إليه في الجواب السالف، وأنا سعيد بوصفك بأنه “تنوع سهل ومخيف في آن”. أما إنه سهل فالأمر ليس بهذه السهولة، لأنه تنوع قائم على قراءة واستقصاءات شعرية أتحرى فيها المختلف والغريب، وربما الذي “يرقد في وحدته” حسب وصف هاينر ماريا ريلكه للنص، عدا ما تربيت عليه شخصياً كوني “ابن شارع″ أميل للزقاق الفقير وليس لساحة الاحتفالات، للوردة الذابلة لا للمزهرية، وللقصيدة في لحظة ضوئها الخاص بعيداً عن الأضواء الفاقعة، بينما شكلت قراءتي للتراث العربي والإسلامي نهراً يمد قصيدتي بماء دافق متعدد المنابع ليلتقي مع أنهار بعيدة المنابع والمصبات في الشعر العالمي، سواء ما قرأته مترجماُ إلى العربية أو ما تعرفت عليه، مباشرة، بعد إقامتي في لندن.

- لقد خصصتَ الجزء الأخير من مختاراتك الشعرية هذه لتجربتك الشعرية كمناضل شيوعي وجاء تحت عنوان “قصائد الجبل الكردي” وهي قصائد شيوعية النَّفَسِ ثورية الإتجاه إلا انك تقول انها في النهاية قصائد تسجيلية. كيف ذلك؟

- إن وضع قصائد الجبل الكردي، في آخر صفحات كتابي الشعري جاء وفاء لقصيدتي وليس لأي شأن آخر. وهي قصائد كتبتها في مرحلة من تجربتي كنت فيها الغيفاري المتحمس، شاباً مندفعاً في لعبة تغيير توهمتها لعبة جادة، لكنني كنت أحد أكبر ضحاياها، عدا ضحاياها من القتلى والشهداء الأبراياء الذين كانت لهم أحد أكبر أحلامهم الوجودية. تسألني: “كيف يمكن للشاعر أن يكون شيوعيا الآن مثلاً؟”. أنا لست شيوعيا الآن، طبعاً، فالشيوعي هو من ينتمي إلى تنظيم حزبي يخضع لشروط نظامه الداخلي، وأنا لم أعد هذا الشيوعي، إنما لا أتنكر لتاريخي ولا أخجل منه، بل أفتخر به لأنه جزء من حاضري، وربما مستقبلي أيضاً، ولي من الشيوعية فكرتها العادلة وأحلامها العظيمة بالجمال والحرية وليس بطابعها الستاليني/ البريجنيفي المقيت ودولتها البوليسية. نعم، قصائد الجبل هي قصائد تسجيلية، حتى أنها لم تجد الوقت الكافي لتتدبر نفسها تقنياً وجمالياً، رغم جمالية خفية. لقد ثبتّها من باب توثيق تجربة أعتز بها، وما زلت، على مرارتها وأسئلتها التي لم يجب عنها أحد حتى اليوم.
التقاه في لندن: حكمت الحاج.

Print Friendly