فرقة ناجي عطا الله بين خيال المؤلف وحقيقة المجتمع البائس

رمزي العبيدي
أرجو أولاً، ثمَّ أرجو ثانياً مِن كلِّ مَن يقرأ مقالتي هذه أنْ يعيد قراءتها أكثرَ من مرَّة، ويفكِّر ألفَ ألفَ مرَّة أعني مليون مرَّة قبل أنْ يكتب تعليقاً عليها بالمدح والتهليل أو بالذمِّ والتقريع، أريد ممَّن يقرأها أنْ يقرأها بعقله لا بعواطفه على طريقتنا نحنُ العرب أهل الكَرَب أهل..1
لسْتُ خائناً ولا عميلاً، ولا تنطبق عليَّ أيَّة تهمةٍ من تلك التهم الجاهزة أو المجهَّزة من قِبَل أجهزة أمن ومخابرات حكوماتنا العربية المتخلِّفة، ولسْتُ مرتزقاً منها، فلمْ أقبضْ عن كتابتها فلساً أو سنتاً واحداً، ويا ليتَني قبضْتُ مِن أين أقبض يا حسرة لكنْتُ أخرجتها بأفضل من هذه الصورة التي سوف تطالعكم في أسطاري التالية، فقد أخذَتْ منِّي من الوقت والجهد ما أخذَتْ، كتبتها على دفعاتٍ ومراحل في ليالٍ سودٍ، كلُّ ليلةٍ منها أتتْ بعد يوم عملٍ طويلٍ وشاقٍ كي أكسبَ قوتَ يومي وأطعم عِيالي ، فالكتابة هـذه الأيَّام كما تعلمونَ لا تطعم خبزاً، إلا إذا باع الكاتب معها ضميره لواحدٍ أو مجموعةٍ من الطغاة والمجرمينَ المتسلطينَ على رقاب الناس، وما أكثرهم في عالمنا العربي ، أو باعه للإسلام وتجَّاره المتاجرينَ بناسه، وما أكثرهم حولنا ، بئسَتْ عندي كلتا البيعتينِ.
الفنَّ التمثيلي
لا أريدُ بأكتوبتِي هذه عن مسلسل فرقة ناجي عطا الله أنْ أتحوَّل من ناقدٍ أدبي إلى ناقدٍ فنِّي، فللفنِّ نقاده المتخصِّصونَ به وفيه، وأنا للأسف لسْتُ منهم، مع احترامي وتقديري له، وكذا لكلِّ واحدٍ منهم، فكلُّهم على عيني ورأسي، وما ملاحظاتِي التي ستأتي داخلة ضمن اختصاصهم إلا من قبيل الاجتهاد أو المصادفة المحضة ، وما أكتبُ اليوم عن هذا العمل الفني إلا لأنَّني أؤمن كما قلتُ لكم قبلاً في مناسباتٍ سابقةٍ بأنَّ الأدبَ هــو الحياة، إضافة إلى أنَّ الفنَّ التمثيلي بالذات يعتمد حتماً على نصوص هي من الأدب.
وقبل كلِّ شيءٍ لا بُدَّ لي من توجيه التحيَّة الكبيرة إلى الزعيم عادل إمام، زعيم الفنِّ العربي وزعيم الفنانينَ العرب، وإلى كلِّ مَن ساهم معه في إنجاح هذا المسلسل الجديد في موضعه وغير المسبوق في فكرته، من ممثلينَ وغيرهم، ولا أنسى كذلك أنْ أحيي الأستاذينِ، مؤلِّفه يوسف معاطي، ومخرجه رامي إمام.
كما أرجو أنْ يكونَ معلوماً لدى الجميع أنَّ نقدي لـ ناجي عطا الله ، ليس نقداً لشخص الفنان الكبير عادل إمام أو شخصيَّته التي أجلُّها وأُكْبِرُها وأحترمها ويروقني فكرها، بلْ هو نقدٌ للدور الذي لعبه الفنان عادل إمام كممثل، أي نقدٌ اجتماعيٌ قد يقترب أحياناً من النقد الفنِّي أو يبتعد عنه في أحايين أخرى، لا نقدٌ شخصيٌ لـ ناجي عطا الله الذي خلقه الكاتب على ورقه، ومثله الزعيم أمَامَ عدسة آلة تصوير ابنه رامي، فلسْتُ من الذين يفترونَ على الناس ويلقونَ حجارتهم عليهم، وبمعنى آخر إنَّ نقدي متركِّز لـ لناجي عطا الله بكونه إنساناً داخل ورق المؤلِّف فقط، وهو بالتالي ليس نقداً لشخص كاتب المسلسل أيضاً، بلْ لِمَا سرده في أحداثه، إذنْ أردْتُ نقداً للمجتمع الذي كُتِب عنه، وللإنسان الذي يعيش فيه يهودياً كان أم مسلماً، ومعه نقد للصراع العربي الإسرائيلي، وما ترتَّبَ عليه من خرابٍ ودم، وكوارثَ ومثبِّطاتٍ طالما عانينا من منها في حياتنا هذه البائسة اللعينة ، قلتُ عانينا ما عانينا منها بلا ذنب ولا جريرة، سوى أنَّ سوء حظِّنا العاثر جعلنا نُخلَق ثمَّ نُولَدُ في هذا المكان بالذات من العالم الواسع .
لا أنكر أنَّ للأستاذ يوسف معاطي قدراتٍ إبداعيَّة كبيرة، معها مكنة من السرد والحَبك، كما أنَّ له خيالاً واسعاً لا أستطيع أنا شخصياً أنْ أخفي إعجابي به، لأنَّه جعل المسلسل يروقني وأستحسنه حتَّى قبل أنْ أشاهده أو أتفرَّج عليه عبر الفضائيات التي عرضته، قلتُ راقنِي هذا المسلسل واستحسنته منذ أنْ بدأتْ الإعلانات تظهر عنه على شاشاتها قبل شهر أو شهر ونصف تقريباً من بثِّه فيها، وليس هذا من باب التسرُّع الأعمى أو التعجُّل العقيم غير المبرَّر، ولا من باب حبِّي الذي لا أنكره لتمثيل عادل إمام وهوسِي بأدائه وعشقي لموهبته ، فأنا أحفظ معظم نصوص أدواره في أغلب أفلامه ، وليس عندي اعتراض على أدائه التمثيلي في هذا المسلسل لأنَّه أبدع وبدَّع كالعادة، وغطَّى على عيوب كثير من الممثلينَ الذينَ اشتركوا معه في تمثيل أدوار شخصيات هذا العمل الفني، خصوصاً غير المصريينَ منهم، وليس هذا بالجديد عليه ولا علينا نحن المشاهدينَ والمتابعينَ لأعماله الفنيَّة الراقية والجميلة، لكنَّه من باب نظرةٍ فاحصة ودقيقةٍ لفكر هذا الكاتب المبدع الذي ليسَ شرطاً أنَّ أتَّفقَ معه في رأيه حتَّى يروقني فكره أو يعجبني أداؤه وأسلوبه الكتابي تجلَّتْ من خلال التدقيق الموضوعي والمتأنِّي في القصَّة التي كتبها من حيث الجدَّة والسبق، ومعهما براعته في اختيار عنوانها، فعَن الجدَّة والسبق، أقول إنَّ المسلسل جديد في قصَّته وغير مسبوق في فكرته أو موضوعه، فلمْ أسمعْ عن أنَّ لأيِّ عربي أو مسلمٍ هذه الدرجة من الذكاء أو الفطنة التي تجعله يفكِّر مجرَّد التفكير في اختراق النظام الأمني لأيَّة مؤسَّسة مؤمَّنة أو محميَّة داخل حدود الدولة الإسرائيلية الحديثة والمتطورة بعكس دولنا العربية التي مازالتْ تعيش في القرون الغابرة ، كمصرف ليوؤمي أو غيره، حتَّى لو عاش حياته كلَّها داخل أراضيها ، وحتَّى لو كانتْ درجة ذكائه بدرجة ذكاء الدكتور أحمد زويل نفسه، والأسباب معروفة، ولا حاجة لذكرها أو التعليق عليها، فالطفرة العلمية واضحة بينهم وبيننا ، أمَّا البراعة في اختيار عنوانه، فأعني بها الاختيار الموفَّق لاسم الشخصية التي تدور حولها الأحداث أو تدور بها، فاسمُ ناجي عطا الله كلُّه أي بجميعه وجملته منسجم وموسيقيٌ، أو فيه شيء كثير من الانسجام الموسيقى، وجزأيه اللذينِ يتكون منهما ناجي عطا الله ، مستخدمان في غالبيَّة الدول العربية، ومألوفان لكلِّ مَن يتكلَّم لغتها، ناهيك عن فضولٍ ولَّدَهُ هذا الاسم عندي وعند غيري، وفي نفسِي كما في نفس غيري، مع ترقبٍ لأفعال تلك الفرقة التي يقودها هذا الزعيم الـ عطا الله .
ليسَتْ هذه المرَّة الأولى التي ينتج فيها رأس المال المصري عملاً فنياً يعترضُ على سياسة إسرائيل كدولة، أو ينتقد يهوديَّتها كديانة، فقد كانَ ذلك قبلاً في عدَّة مناسبات، كانَ آخرها على ما أظنُّ فيلم أولاد العم لكريم عبد العزيز ومنى زكي وشريف منير، وقد نسيَ القائمونَ على إنتاج هذا العمل الفني أنْ يشكروها ، كما نسي غيرهم أيضاً، لأنَّها لمْ تستفزَّ ولمْ ولنْ يصدر عنها أيَّة ردَّة فعل رسميَّة تجاههم، فهي على ما يبدو لي تؤمنُ بحريَّة التعبير والرأي، وقد تعلمَّتْ ذلك من العالم المتحضِّر الذي اختارَتْ التحالف معه، واختار المتسلطونَ على رقابنا من الأغبياء والمتخلفينَ ومن تبعهم من أشباههم في عالمينا العربي والإسلامي، معاداته بلا مبرِّر وسببٍ مقنع سوى شعاراتٍ فارغة وأكاذيب مُزيَّفة، يعتقدونَ أنَّها ستبيقيهم ملتصقينَ بكراسيهم، أو ستساعدهم على ذلك إلى حدٍ ما ، لمْ نصدِّقها يوماً، ولمْ نؤمن بها نحنُ المثقفينَ، ولمْ تعد اليوم مقبولة حتى عند بسطاء الناس وأقلِّهم تعليماً، لأنَّهم عرفوهم على حقيقتهم، وملُّوا كذبهم، وشبعُوا من هرطقاتهم وتزييفاتهم، ولمْ يعودوا يحتمَّلونَ تشويههم لواقعنا، وتدميرهم لحياتنا، وكسرهم لنفوسنا.
وهنا أسألكم تظرُّفاً وتندُّرا لأنَّني أعرف الجواب مسبقاً، ومع ذلك أستحلفكم بربِّكم أنْ تخبِّرونِي هلْ سيسكتُ الإسلاميونَ إذا قام فريق تمثيلي يهودي بتصوير عمل فنِّي ينتقدَ الإسلام كدين، أو يعترض على سياسة إحدى دوله، كما سكتَ اليهود في مناسباتٍ كثيرة؟ ، هذا سؤالٌ مهمٌ وخطيرٌ وحسَّاسٌ، أتمنَّى أنْ يكون عند أحدكم جوابٌ منطقيٌ عنه يختلف عن جوابي الذي هو بالتأكيد لا…. وبالتأكيد لا، أ تعرفونَ لماذا ؟، لأنَّهم مرضى نفسيونَ، ولأنَّ دولهم دولٌ متخلِّفة، لا تفصل الدينَ عن الحياة، بلْ تتمادى في إدخاله بالسياسة، وتشكِّل له أحزاباً فيما يعرف عند الباحثينَ بـ الإسلام السياسي ، وتبالغ وتشتطُّ في سلوكها الأهوج وتصرُّفاتها الحمقاء، لتصل إلى تكفير الآخر، ثمَّ تضع لهذا المُكَفَّر عقوبة قاسية هي القتل وإنهاء الحياة، وما جاءَها هذا التخلف والتدنِّي إلا من تعاليم الإسلام وخزعبلاته، ووصاياه الدمويَّة، وترَّهات معمَّميه، لعنهم الربُّ وأبعد عنَّا شِرَّتهم وأجارنا من بطشهم، قال أبو الطيب المتنبي 303 ــ 354 هـ » 915 ــ 954 م عنهم وعن أمَّتهم المزعومة في معرض هجائه لكافور الإخشيدي الحبشي
سَادَاتُ كُلِّ أُنَاسٍ مِن نُفُوسِهِم
وَسَادَةُ المُسلِمينَ الأَعبدُ القَزَمُ
أَ غَايَةُ الدينِ أَنْ تُحفُوا شَوارِبَكُم
يَا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِن جَهلِهَا الأُمَمُ
ليس من حقِّ أيِّ إنسان أنْ يصدر حكماً أو قراراً بإنهاء حياة إنسان آخر مثله، مهما كانَ منصبه ووظيفته، ومهما كانتْ الأسباب، أو تحت أيَّة ذريعةٍ، أو بالرجوع إلى تعاليم أيِّ دين، كـما ليسَ من حقِّه أنْ يمتهنَ إنسانيَّته بأيَّة طريقة، أو يهينَ كرامته بأيَّة وسيلةٍ كانتْ، هذه هي الإنسانية التي أعرفها بغير مفهومها الإسلامي ، وهنا لا بُدَّ لِي من أذكِّر بشاعر العربية التركي المستعرب حسن حسني باشا الطويراني 1267 1315 ه » 1850 1897 م ، الذي هجام الإسلاميينَ مباشرة فنالَ منهم بقوله
إِنِّي أَقُولُ وَحَقٌّ مَا أَقُولُ لَهُم
لكِنَّهم جَهلُوا تَحقِيقَ مَا فَهِمُوا
مِنِّي سَمَاعاً عِبَادَ الله واعتَبِرُوا
يَا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِن جَهلِهَا الأُمَمُ
AZP09

Print Friendly