العتبات النصية في “رأس الرجل الكبير”.. البعد السياسي ورؤية القادم الآخر

 



شوقي بدر يوسف

لا شك أن العتبات النصية الأولى في رواية “رأس الرجل الكبير” للروائي السوري عدنان فرزات تشي بمجمل ما يرفده النص من إشارات وعلامات وأيقونات سيميائية تعطينا ملامح وظلال تضيء جوانب عدة من جسم النص، وترفد بخطوطها العريضة المعنى الأجمالي الذي اختزله واختزنه الكاتب في مجمل هذه العتبات، كما تفصح عن التيمة الرئيسية التي اشتغل عليها الكاتب لإبراز طبيعة المعنى والرؤية التى أراد أن يرفدها، والحامل لها هذا العنوان الملتبس “رأس الرجل الكبير”.

والرواية هي العمل الثاني في منجز الكاتب الروائي بعد رواية “جمر النكايات”، تبدأ هذه العتبات بالغلاف المقسم إلى أربعة أقسام، ثلاثة أقسام منها توزعت فيها رأس تمثال غير واضح المعالم، والقسم الرابع يحمل عنوان النص الملتبس في معناه ومغزاه فهو يتضمن إشارات عدة لأبعاد سياسية، وأبعاد أخرى أسطورية تاريخية يحملها جسم النص في نسيجه الداخلي، والعنوان بحكم موقعه الخارجي على صدر غلاف النص يعتبر خطابا موجها لعموم المتلقيين للنص، وتعتبر الأسئلة التي تدور حول العنوان أسئلة مضمرة يكتشفها المتلقي بنفسه وعادة يكون ذلك بعد انتهاء القراءة، وقد قام بإبداع الغلاف الفنان التشكيلي أسعد فرزات، وهو نفسه الذي قام بإعداد نفس غلاف الرواية السابقة “جمر النكايات”.

علاوة على ذلك نجد أيضا أن الكاتب قد أشرك شخصية هذا الفنان كشخصية فاعلة داخل الرواية مستخدما نفس الاسم ونفس الوظيفة في تشخيص أبعاد هذه الشخصية، يلى ذلك الإهداء الذي قسم هو الآخر إلى أربعة أقسام، الأول أهداه الكاتب إلى والدته التي رحلت قبل عام.

والثاني جاء على هذا النحو إلى لبانة النقية كدعاء الأولياء في صلاة الاستسقاء، أما الإهداءان الأخيران فكانا لحلب المدينة الشهباء، وهي المدينة التي قال عنها الكاتب في إهدائه أنها قطرة ذاكرة قديمة ما زلت وفيا لها، كأصدقاء أول العمر، كما وصفها أيضا في الإهداء بأنها عقل تاجر داهية.. بقلب درويش، مما يعطي دلالة على ارتباط الكاتب بهذه المدينة منذ مرحلتي الصبا والشباب، والمدقق في هذه الإهداءات يجد أن تصدرها موقع البدايات يعطي إشارات خاصة بتواجدها وتوظيف بعض جوانبها داخل جسم الرواية وهو ما سيتضح فيما بعد، كما أن هذه العتبات بوضعيتها التي جاءت عليها فى بدايات النص لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن البناء الفنى للرواية، بل هي تعتبر من المحفزات الرئيسية لبنية النص وتشكلاته، لما تحمله من رؤى وأفكار وتحديدات لم يضعها الكاتب في بدايات النص بطريقة عفوية بل هي جاءت بطريقة قصدية لتقدم ما حدده من الأحداث المركزية والتيمات التي اشتغل عليها داخل النص والتي ستجرى لاحقا.

-البناء الفني

يغلب على الرواية النزعة الدائرية في التناول، فقد بدأت أحداثها قبل النهاية بقليل، وسار فيها الكاتب في تنامي زمني متواتر، ووضع لأجزائها العشر عناوين جانبية تبدأ بعنوان “أسبوع الفقراء” وتنتهي بعنوان “التلويحة الأخيرة” وبين هذا وذاك تتكشف أحداث الرواية في متواليات نصية تتوزع بحسب تنامي الحدث، وتحولات الحبكة، وتجليات المحكي والمروى منها، وموقف الشخصيات من الحدث والرؤية. وطبيعة الأسئلة المتداولة داخل نسيج النص، والمستوى الدلالي المتجذر في العمق بحسب الواقعي والمتخيل.

وبحسب ما أورده فى المنظّر البلغاري تزفيتان تودوروف في كتابه “قواعد الديكاميرون” والذي يشير فيه بأن “:أي عمل تخيّلى يمكن مقاربته من وجهة دلالية “المحتوى أو العالم الذي يستدعيه”، ومن وجهة نظر تركيبية “المقومات التركيبية وانتظامها في متتاليات”، ووجهة نظر بلاغية “المظهر اللفظي مثل التلاعب بألفاظ محددة، والجمل التي تحكي بها الحكاية”””1″،

وهو ما احتفى به الكاتب في بنائه الفني لمحور النص برمته، نجد أن وجهة النظر التركيبية للنص تنبع وتكمن في استنطاق التاريخ سواء كان هذا التاريخ ذاتيا يخص الشخصية أو يخص من يتاجرون به، وتجسيد الكاتب لواقع الرؤية من خلال استخدامه لمحكيات ومرويات قد تستدعى التاريخ أو غيره من التيمات لبلورة المعنى المراد التعبير عنه.

كما تكمن أيضا وجهة النظر البلاغية فيما يبدعه الكاتب في لغة النص وفي التشبيهات التي تراكمت بكثرة في جوانب عدة لتعطي في بنيتها دلالات لكل ما يحكي ويروي، كما تعطي المحكيات والمرويات المتقاطعة في كل جزء من متواليات النص بعدا ربما يبتعد بعضها عن الخط الأساسي ولكن يربطه بهذا الخط خيط رفيع غير مرأى ولكنه محسوس ينبع من طبيعة الشخصيات، والمحكيات والمرويات داخل الأحداث، كما احتفى الكاتب بالوصف، والتدقيق في استخدام الشخصيات واستدعاء مكوناتها وجذورها الأصلية نجد ذلك في جميع الشخصيات الفاعلة داخل النص، حيث يعود الكاتب إلى أصول كل شخصية بتفاصيل ربما يكون بعضها غير مرغوب فيه، ليدلل على طبيعة ما ترفده من أعمال وممارسات خاصة.

كما استخدم الكاتب أيضا التكنيك السينمائي في التنقل بين المشاهد المختلفة للرواية وهو ما سنراه في تقاطعات وتداخلات المشاهد المختلفة على مستوى النص ومتوالياته، كما استخدم الفلاش باك والمونولوج الداخلي وتقنية تيار الوعي لحاجة اسئلة النص إلى مثل هذه التقنيات لبلورة أبعادها وجوانبها المختلفة.

ولما كان الكاتب قادما من عالم الشعر إلى عالم الرواية نجد انعكاس ذلك على اللغة الشاعرية المتواجدة بإلحاح شديد في نسق الرواية استخدمها الكاتب ليعبّر من خلالها على تجليات الرؤية ومعادلها الموضوعي الكاشف عن رومانسية البحث عن العدالة والحرية والحب، والتصدي للفساد من خلال شخصيات تتأرجح ما بين المثالية والواقعية في محددات الأمور.

وهو ما اعتمد عليه الكاتب من خلال شخصيات “صهيب”، وعادل وأسعد وغيرهم من الشخصيات الثانوية الأخرى المساعدة، وصهيب هو الشخصية الرئيسية العائدة بطبيعتها الفاعلة إلى أصولها الأولية التي كانت عليها منذ عشرين عاما، وإلى نفس المكان الذي بدأ منه رحلته مع الثروة والجاه، نفس الغرفة التي بدأ منها حياته عندما التحق بجامعة حلب وهو فتى صغير فقير معدم لا يحتكم على شيء، بينما هو الآن رجل من أهم أثرياء المدينة، وهذه هي المفارقة التي لعب عليها الكاتب في تحريك الحدث وحبكة النص منذ البداية وحتى نهايته “:مفارقة غير مألوفة أن يوجد الآن في داخل هذه الغرفة المحتضرة عمرانيا، رجل من أهم أثرياء المدينة” “2″.

ففي كل عام من شهر سبتمبر/ أيلول يترك صهيب قصره المنيف فى الشهباء ويحضر إلى هذه الغرفة البسيطة ليقضى أسبوعا كاملا أطلق عليه “أسبوع الفقراء” في هذا الأسبوع يقوم بممارسة طقوس محددة تعيد له توازنه النفسي والمعنوي، يعيش، ويمارس حياته الفقيرة التي كان عليها منذ أكثر من عشرين عاما، بنفس المستوى المتواضع ذاته الذي كان يعيشه في ذلك الزمن، يقوم خلال هذا الأسبوع بتوزيع المال على الفقراء بنفسه “:يذهب إليهم في أماكن سكنهم، ويفتش عنهم في الحافلات والأسواق، مرتديا ثيابا عادية لا توحي بأنه صهيب المرديخي، رجل الاقتصاد الأقوى في المدينة” “3″.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما الذى يجعل صهيب يفعل ذلك؟ بعد أن وصل إلى هذا المستوى الرفيع من الثراء، هل هو كما ورد بالنص تأثرا بأحد الأثرياء الفرنسيين الذين سمع عنهم، أم هو اقتداء بالحاج أحمد الحلبي الذي بدأ حياته عاملا في مطعم ثم أصبح يملك تجارة واسعة لفساتين الأفراح؟، الإجابة على هذا السؤال كانت تكمن داخل صدر صهيب، في عقله ووجدانه، هو يطرحها على نفسه في هذه اللحظات الفاصلة ما بين دخوله هذه الغرفة وبين سماعه لآذان الفجر، في هذه اللحظة “: نهض جاحظا عينيه متلفتا حوله كأنه يكتشف المكان لأول مرة. أكمل استيقاظه ببطء، ونظر إلى ثيابه ليتأكد من أنه ارتدى الملابس القديمة، لكنه حين وصل إلى الباب انتبه إلى أنه ما زال ينتعل حذاءه الجديد، فعاد أدراجه ليستبدله بالحذاء البني القديم الذي تآكل أسفله، واهترأت خيوطه.. نظر إلى الفرق بين الحذاءين، تلك المسافة عمرها عشرون عاما.. أنّب صهيب نفسه وهو يتذكر حجم الثروة الفاسدة التي تفصل بين النعلين.. ميزته أنه يعترف بقرارة نفسه – في لحظات الصفاء – بأن ثروته فاسدة. لذلك كلما استفاق ضميره أعطاه مسكنا مؤقتا بعمله الخيري في أسبوع الفقراء هذا، لكن ضميره لم يكن سعيدا بهذه الرشوة””4″.

كان يحاول أن يكفّر عن فساد ثروته، بأن يضع لأم صطيف مغلفا أصفرا سميكا مليئا بأوراق البنكنوت على باب بيتها، وينصرف سريعا قبل أن تراه، ثم يذهب إلى منزل فى آخر الحي يسكنه شخص يدعى حمو، كان في شبابه من العدائين لكنه أصيب في حادث أقعده عن ممارسة الرياضة فكان يساعده وأسرته ببعض المال، أثناء سيره عثر على طفلة تعثرت في طريقها وبكت حملها صهيب، وذهب معها إلى أسرتها، وقدم لهذه الأسرة وعدا بتحمل نفقات تعليم الأبن بعد أن تفاعل مع رب الأسرة، وشاهد بنفسه نموذجا من نماذج الأسر المتواضعة العائشة تحت خط الفقر، استشهد عائلها الكبير، وضاعت أموال تعويضها عنه مع أحد الفاسدين المتاجرين بأمن الناس وأموالهم، وفى طريقه إلى حجرته المتواضعة استدعى عربة أجرة لرجل كانت امرأته على وشك الوضع، ودفع تكلفة العربة دون أن يشعر الرجل بهذه المساعدة.

كانت أسئلة الثروة أثناء ممارسته لهذه الطقوس الإنسانية لا زالت تؤرقه وتقض مضجعه، حتى إنه عندما ركب الحافلة عائدا إلى حجرته، أحس أن سائق الحافلة ينظر إليه نظرات خاصة وكأنه يعرفه، فحدس أنه يتشبه عليه، وفي تلك اللحظة حضرت الثروة إلى هواجسه ووعيه، فأدار وجهه إلى الجهة الأخرى حتى يختبئ وراء قناع اللحظة التي كان يعيشها ويعايشها مع الفقراء منذ لحظات الآن، هو المال الذي يمنحه هذا الحضور في ذهنية الناس، ويترك ملامحه وظلاله على وجوههم “:ثروته غير المشروعة، بقدر ما حققت له حياة مترفة، بقدر ما زرعت فى أعماقه شجرة شوك تخز ضميره باستمرار. أصبحت أمواله عبئا عليه، حاول عدة مرات في البدايات أن يتخلص منها لكن المال أشبه بسفح تنزلق عليه ولا يمكن أن تتوقف فى منتصفه””5″.

وينتهى “أسبوع الفقراء” ويعود صهيب إلى قصره الذي يضاء من جديد، وتستقبله زوجته بارتياب، وتبدأ تدعيات أسبوع الفقراء في رسم خطوطها على قلب وعقل صهيب، ويطل المكبوت في نفسه إلى آفاق بعيدة تجعله يعيش حالة من حالات الكبت، التخيلي، تبدو فيه الحياة وكأنها ألم كبير لا يحز في ضميره، حتى الطبيب النفساني الذي أخذ عنده سبعا وثلاثين جلسة، عجز عن شفائه “:ويبدو أن وظيفة التخييل هي أن يفجّر هذا المكبوت، وأن يستحضر المبعد المفقود، وأن يجري لقاء بذلك الشئ المتخيّل المحبوب المرغوب الذي قبرته الأمكنة والأزمنة والأنظمة السياسية والاجتماعية الثقافية الأيديولوجية المتحكمّة””6″.

وتبدأ حركة الزمن في التغلغل في اللاوعي عند صهيب حين “:أطل صهيب ببصره بعيدا في الأفق المعتم، فالتقت عيناه بصورته المنعكسة على زجاج النافذة.. ملامحه الحادة تضفى ألقا على وسامته. عينان واسعتان لامعتان كأنما صنعتا من ماء ونور.لهما اخضرار الزيتون من أول نضجه. لحيته الكستنائية لم يتمكن الشيب إلا من بضع شعرات فيها، فدسها على وهن ومضى، النتوء الصغير فى عظمة أنفه بالأعلى، تحديقه المستوحش بالأشياء، جعل نظراته أقرب إلى نسر متحفز حط للتو على قمة جبل غريب يرقب الفريسة” “7″.

-تيار الوعي وحبكة النص

استخدم الكاتب تقنيات أسلوب تيار الشعور والمونولوج الداخلي في بلورة معادل النص الموضوعي من خلال استدعاء حركة هذا التيار في النفاذ إلى صلب وجوهر الحبكة في مواضع عدة ، منها حين ترك صهيب مقعد كلية الهندسة المدنية التي التحق بها فور حضوره إلى المدينة من قريته “تل مرديخ”، وانتابه في ذلك الوقت شعور بأن طموحه لن يلبيه مقعد دراسي في الجامعة حتى لو تخرج. وبدأ في التعرف على الشوارع والأحياء والأزقة في حلب الشهباء، “:فأحب الأماكن القديمة خصوصا تلك المقابلة للقلعة، ثم وجد ضالته على أرصفة منطقة “باب جنين” في قلب حلب.. سوق تتجمع فيه حافلات النقل الداخلي، وعلى أرصفته يفترش الباعة بسطات يبيعون فوقها عملات تبدو قديمة، ولكنها حقيقتها مقلدة بطريقة متقنة””8″.

من هنا بدأت رحلة صهيب مع الثروة المشبوهة، استغل موهبته التي كان يجيدها فى الرسم والنحت في تقليد أشكال أسطورية شبيهة باللقى الأثرية، وقام بتقليد بعض منها تقليدا متقنا للغاية، وتقدم بها إلى أحد بائعي الأثريات الذي ما أن رأها حتى رحب به بشدة وطلب منه المزيد منها، ثم عرفه بعد ذلك على أحد كبار تجار العاديات القديمة والأثريات معروف بأسم “السبع″، وبدأت علاقته مع السبع تأخذ مسارا أخر في تقليد وتجارة القطع الأثرية المزيفة بطريقة متقنة للغاية، وعندما اطمأن له السبع عرض عليه عرضا مغريا وهو البحث عن رأس تمثال الملك “إيبيط” ملك الأراميين والمعروف بـ “رأس الرجل الكبير”.

وفاضله في ذلك الأمر إما أن يقوم بتقليد العاديات والأثار أو يبحث عن رأس تمثال الملك في منطقة تل مرديخ مسقط رأسه، وأخبره السبع بأنه اختاره لهذا الأمر لأنه أبن المنطقة ولا يشك أحد في مسعاه، وأنه في حالة عثوره على هذه الرأس فسوف تنفتح أمامه أبواب الثروة على مصراعيها، وفي غرفته القديمة قضى صهيب وقتا طويلا في التفكير في هذا الموضوع، لم يخرج من غرفته، وظلت الأسئلة وأجوبتها والهواجس تنتابه حول هذا العرض خمسة أيام كاملة حتى أفضى أخيرا بسره إلى صديقه عادل المجاور له في السكن، تحاورا طويلا حول مشروعية هذا العمل، والمخاطر التي تعترضه، وأخذ كل منهم يدلي بدلوه حول ما يقدم عليه صهيب، حتى أنهى صهيب اللقاء بهذه العبارة القاطعة “: لدي خطتي ياعادل!””9″.

وفي تل مرديخ بدأ صهيب فى تنفيذ خطته في البحث عن رأس الملك إيبيط في سرية تامة ودون أن يفصح لأحد عن ذلك. وعندما وصل صهيب إلى سهول التل ورأى هذه الأعشاب الربيعية تطل برؤوسها من خلال السهول ونتوءات الصخور فى المنطقة تذكر مقولة صديقه عادل الذي قال له فيهاأن”:أكبر درس للطغاة هو منظر عشبة تطل بين صلابة الصخور”.
“10″.

وبدأت رحلة البحث عن رأس الملك “إيبيط” في سهول تل مرديخ، وانتظر صهيب حتى حلول الربيع في شهر أبريل/ نيسان، وأوقف تسجيله في هذا العام الدراسي في الجامعة، وجهز أدواته ووضعها فوق حصان أعده لهذه الرحلة في هذه السهول الفسيحة، كان يبدأ الحفر عند الفجر ويتوقف عند بزوغ الشمس، وبخبرته الخاصة وذكائه وصل صهيب إلى أول الطريق إلى بقعة أحس صهيب أن هذا هو المكان فقد “:انفرجت التربة عن صخرة بحجم كتاب.. لم تكن هي المرة الأولى التي يعثر فيها صهيب على آثار في هذه المنطقة، فقد مارس هذا العمل من قبل مرات قليلة عندما كان في السادسة عشر من عمره” “11″،

ويعايش صهيب لحظات البحث في هذا المكان في تأن وتأوده ما جعله يتعامل مع الموقف برهافة غريبة وسهولة يسر، حتى عثر أخيرا على الرموز المشيرة إلى جهة الحفر الرئيسية الموجود فيها رأس التمثال في صخرة صغيرة فلفها بعناية ووضعها في جيب حقيبته، وقرر الحفر في اليوم التالي بعد أن بدأت الشمس في الظهور.

وبدأ النعاس يداعب عيني صهيب، إلا أنه فطن إلى وجود أحد خارج الخيمة فزحف قليلا ورفع ساتر الخيمة فإذا برجل قصير شعره طويل وفي يده عصا طويلة جعل يضرب بها ثعبانا تحت أرجل الحصان عدة مرات حتى قضى عليه. وأحس صهيب بالخوف والتوتر والدهشة خاصة عندما نطق هذا الرجل وبادره بكلمة “رأس الرجل الكبير”، وعرف صهيب أنه أحد رجال السبع جاء ليعرض عليه خدماته ويعرف منه إن كان يريد شيئا، وتخوف صهيب منه أكثر عندما سأله: من أنت؟ فرد: أنا هنا أحرس أرواح الملوك والرعية تحت الثرى.

يوجلس الرجل مع صهيب وحكى له حكايته وأخبره أنه قبل كل شيء فنان تشكيلي خريج كلية الفنون الجميلة وأن له مرسما قريب من هذا المكان، أنه رسم للسبع خبايا كل هذه المنطقة خاصة المنطقة التي وجدوا فيها جسم تمثال الملك “إيبيط” ولم يتبق سوى البحث عن رأس التمثال الذي ينقب صهيب عنه الآن، وتبسط الرجل مع صهيب فأخبره بأنه أسمه أسعد، وأن السبع طلب منه رسم مخططات متخيلة لموقع المدينة المدفونة بعد أن أحضر له صورا بالأقمار الصناعية للمنطقة، وأنه استطاع التوصل إلى رسم تقريبي للمنطقة، ثم أخبره بعد أن دق الأرض بعصاه بأنه يحفر في المكان الصحيح. وينصرف الرجل بعد أن يخبر صهيب بمكان سكنه إن أراد صهيب منه أي شيء. وتتلاحق الأسئلة في وعي صهيب وتتجلى مظاهر الحيرة والارتباك في نفسه، وتدور في رأسه اسئلة كثيرة لها صدى الخوف والترقب والقلق، هو يعيش هذه الوساوس كثيرا ولكنها هذه المرة تدوّي في جوفه بقوة ، وتذكر أنه”:ذات خريف لا اخضرار فيه، استفاق صهيب على صدى صوت يدوّي كتنين عجوز في أرجاء الغرفة”:حسبك أنا، لا ملك لك سواي.. أن خبزك المرّ، وأنا ثوب عيد أطفالك.. أنا حزن أيامك وافراحك.. إن شئت أوقدت لك النار لتنير لك الطريق.. وإن شئت أطفأتها، فأنت في ظلام القبور”.. ثم غاب الصوت فجأة كأنما الجدران لها بطون استردته إليها” “12″.

ويستفيق صهيب من هذا الصوت المدوي في أعماقه، ويتحرك بنشاط غير مسبوق في البحث عن رأس الملك، وتبدأ خيوط الثروة تتكشف شيئا فشيئا كلما ولج صهيب داخل النفق الذي حفره في هذه البقعة من الأرض، حتى بدأت المواجهة بينه وبين رأس التمثال، ويبدأ صهيب في مونولوج داخلي طويل يخاطب رأس تمثال الملك “إيبيط” وكأنه في حضرة هذا الملك فعلا “: سيدي الملك..

أعتذر من جلالتك لأنني اقتحمت عليك مملكتك.. لا بل مدفنك بهذه الطريقة اللصوصية التي لا تليق بك، ولا برعية صالحة.. أعتذر لروحك الجليلة إن كنت أرّقتها، لو كنت حيا، لما تجرأت للوصول حتى إلى عتبات ساحة قصرك””13″.

ويستطرد صهيب وهو لا زال في غفوته وشروده مع رأس التمثال فيقول “:امنحنى سيدي صلاحية اتخاذ القرار، سأصلح من شأن رعيتك.. هنالك يا سيدي أمور قد لا تعرفها.. فجدران قصرك سميكة، والنوافذ التي فيها تطل فقط على بساتين تحجب ما وراءها.. هناك يا جلالة الملك خلف هذه البساتين جياع ينتظرون رغيف الحياة..

هناك عربات يجرها البشر بدل الخيول.. وحقول من الحنطة لا نعرف يا سيدي مصير غلالها، هذا أنا مثلا يا سيدي، طالب جامعي وأضطر للعمل مهرب آثار كي أكمل دراستي.. هل لدي جلالتك القليل من الوقت لتسمعني كي أحدثك عن الماء والقمح والحرية.. لا بد أن تفعل ذلك، لا بد أن تسمعني لأنني أمثل الشعب، صحيح أنه لم يفوضني رسميا، ولكن ما قلته لك، هو ما يدور في مجالسهم.. اسمعني يا سيدي قبل أن تنوء بأوزارنا جميعا.. ظل الملك صامتا ينظر بعينين حجريتين. سقط المصباح اليدوي على قدم صهيب، فاستفاق فجأة من شروده.. أحس كما لو أنه كان فى غيبوبة، أو في حلم مضى عليه زمان” “14″.

حركت هذه المواجهة بين رأس التمثال وبين صهيب آفاق البعد السياسي والإنساني، وجد صهيب نفسه وجها لوجه مع شبكة مقتنصة ومعقدة من الحياة، هذا الرأس الملكي الذي لا يقدّر بثمن، وهذه الحياة التي تمور خارج النفق بكل عنفوانها وصخبها، وهذه الأسئلة الدائرة بقوتها في رأسه في هذه اللحظة، هي ليست اسئلة تصوغها المقولات والمفاهيم العامة والتعميمات التجريدية، بل هي تستمد قوتها – بالرغم من قصورها النظري – من فوضى المعيش وتجاور الشخصيات المتناقضة، لذا كانت أسئلة المتخيل في هذه اليوتوبيا المجسدة في رأس صهيب تفرز أفكارا متناقضة بين الحلم والرغبة في الثروة وبين عقدة الذنب الماثلة أمامه في المتاجرة بالتاريخ في صورة رأس تمثال هذا الملك، كان في معركة شرسة مع الذات حتى أنه “:فكر أن يعيد الرأس إلى مكانه ويغلق النفق الذي حفره، لكنه تراجع كونه سيعرض الرأس للسرقة من آخرين، فكر أن يسلمه لدائرة الآثار والمتاحف، لكنه لم يكن معجبا بطريقة احتفائهم باللقى الأثرية. فنهض وقد أشرقت عيناه بفكرة غريبة””15″.

وبدأت المرحلة الثانية للثروة بتزوير تمثال رأس الملك، وكانت الهواجس لا تزال تنبض في رأس صهيب ووعيه بأنه مقبل على مرحلة حساسة في عمق هذه الرحلة الجريئة وساورته الوساوس فقال في نفسه “: حياتنا كتلة صماء.. منا من ينحتها ضاحكة.. ومنا من ينحتها كئيبة.. ومنا من لا يتدخل في نحتها، يترك للآخرين مهمة تحديد الملامح. ساورت صهيب هذه الأفكار حين وضع رأس التمثال الأصلي على يمينه، ثم أمسك الحجر المزوّر براحته اليسرى، بالرفق نفسه الذي يتلقف به الطبيب رأس الجنين لحظة نزوله إلى الحياة.. ثم راح ينقّل عينيه بدقة ميزان ذهب بين الرأس الأصلي والحجر المزورّ”. “16″.

وبعد أربعة أشهر يصرخ الفنان التشكيلي أسعد عندما رأى رأس التمثال المزورّ ماثلة أمامه يتأرجح يمينا ويسارا ثم يستقر على قفاه، ويقول صهيب لأسعد بعد أن رأى علامات الدهشة والحيرة مرتسمة على وجهه “:تصعب فكرة الموت على الملوك أكثر من العامة، تبدو قاسية حين يتذكرونها، لأن خسارتهم أكثر فداحة، فالعامة لا يتركون وراءهم عرشا، ولا يندمون على رعية كانوا يحكمونها بطرف إصبعهم الصغير.. البسطاء يموتون مثلما يولدون، حياتهم فيها اليسير من الضحك والكثير من الأحزان.. لذلك فهم لا يشعرون بغربة فى القبور” “17″.

-البعد السياسي ورؤية القادم الآخر

في تواز مع المحكي من حكاية صهيب وصفقته الجديدة مع السبع، تنبت حكاية أخرى تتوازى معها، تبدأ هي الأخرى من بعيد، ثم لا تلبث أن تقترب حتى تتقابل فى نفس البيت الذي ارتاده صهيب منذ عشرين عاما.

تحت عنوان “القادم الآخر”، كان عادل كلما جاء فى زيارة إلى سوريا من مكان عمله في الخليج يقوم بزيارة “حلب” على وجه الخصوص لما له فيها من ذكريات خاصة، فقد عشقها عشقا، وكان يقول دائما عن حبه لهذه المدينة “:الأعذب لك أن تجعل علاقتك بحلب مثل خاتم الخطوبة، لا تتعجل بنقله إلى اليد اليسرى””18″.

كان عادل يفعل كما يفعل صهيب ولكن بطريقة مختلفة، كان يزور أصدقائه في هذه المنطقة التي نشأ فيها وشهدت صباه وشبابه “: يحرص كثيرا على زيارة أصدقاء خاصين جدا في حلب، أولهم صهيب. كما يزور أماكن بينه وبينها حكايا دافئة، كغرفته القديمة في بستان الزهرة، الملاصقة لغرفة صهيب الفقيرة، ومقهى القصر، والفندق السياحي، والأحياء القديمة المقابلة لقلعة حلب، قبل أن يستريح في مقهى القلعة، فوق مقاعدها المصنوعة من القش بعد جولة في خان شونة” “19″.

وأثناء توجهه إلى المدينة اصطحب معه روان ابنة أخته العائدة إلى بيتها في حلب معه، وفي القطار يحكي لها حكايات، من باب تزجية الوقت، حكى لها حكاية أبو سمور الطبال وعلاقته بالسلطة والمناضل أبو جمال الذي وشى به أبو سمور وسبب له عاهة مستديمة مازالت موجودة على وجهه، وكانت هذه الحكاية بتفاصيلها قد قطعت الوقت فعلا وأصبح القطار على وشك الوصول إلى حلب عندما قفز إلى هاجس عادل علاقته بالفتاة المسيحية رولا التي أحبها في مدينة “دير الزور”، وتذكر كلمات الغزل التي كان يطريها بها وتتورد خداها منها، كما تذكر ما قاله لها عن المرأة “:أحب في المرأة أن تكون مثل ثلاث ريشات: ريشة يمام في رشاقة تفكيرها، وريشة نعام حين أتوسد قلبها، وريشة طاووس في كبريائها””20″.

كانت رومانسية عادل على عكس واقعية صهيب تماما، كانت الحياة بالنسبة له هي الحب عكس صهيب كانت الحياة عنده هي متعة المال، إلا أن الزمن قد لعب معهما لعبته حين منح المال والإحساس بعقدة الذنب وعذاب الضمير إلى صهيب ومنح عادل الاستقرار في حياته ولكن مع معايشة شبه دائمة مع حبه الأول رولا التي كان يطلق عليها خياله العنيد، وكان يحلو لصهيب أن يناوش في عادل في هذه النزعة ويحرضه على ذكراها حين يسأله عنها، فيجيبه عادل “:حين تتحدث تميل برأسها جهة اليمين، فيرتاح شعرها على الكتف لبعض الوقت، لكنها ما تلبث أن تتبعه مرة أخرى بالتفاتة إلى الجهة اليسرى. كثيرا ما كانت تصمت تاركة الحديث لعينيها السوداوين أن تنطقا بوقار راهبة تلقى موعظة. يتلكأ حرف الراء عند حدود شفتيها، فتستعيض عنه بلكنة فارهة من حرف الغين الأرستقراطية.. مشيتها تشبه حركة أصابع عازف على مفاتيح البيانو. حين تقبل من البعد تخالها فرسا تكرّ على مدينة قلبك المحصنة..

إذ التفتت إليك فجأة تتدفق في التفاتتها موجة قادرة على قلب قارب كبيرة فى إبحاره.. جلوسها على عكس مشيتها.. هادئة انسيابية، كما لو أنك ألقيت حبة عقيق في زجاجة مملوءة بزيت زيتون فاقع الاصفرار””21″.

-التلويحة الأخيرة

“التلويحة الأخيرة” هي المتوالية الأخيرة للنص، هي بؤرة التحليل والتحفيز لواقع النص بجوانبه المختلفة فيها تصل الأمور داخل كل الشخصيات إلى طريق مسدود بعد أن كانت الأمور ساحة واسعة رحبة، “:ركن صهيب سيارته عند باب الكراج، كانت أصوات الناس التي سمعها، وهو في طريق عودته إلى البيت تدوّي في أذنيه مخلفة رعبا عظيما”.

كانت أصداء الحرية ما زالت تدوي في الشوارع والأزقة داخل حلب الشهباء، دخل صهيب غرفته التي كانت على اتساعها أصغر من غرفته القديمة وأفقر، فتح الخزانة السرية التي يضع فيها رأس التمثال وأخرجه وهو يتأمله وبدأ حوار داخلي مع النفس يتفاقم حول الثروة والمال والفساد والخوف والترقب، وأمسك صهيب التمثال بأيدي مرتجفة وأحس بوهن شديد ينتابه وراح يتصبب من العرق، و”:فجأة انفتح باب الغرفة بعد طرقات عاجلة ومرتبكة. فزع صهيب وشهق بهلع كمن ابتلع قطعة نقود، فارتجف جسده كله، وسقط التمثال على الأرضية المرمر الفاصلة بين السجاد والحائط وتناثرت هيبته. كان الخادم يقف عند الباب مذعورا: “لقد وصلوا إلى هنا يا سيدي”.

_______________
الإحالات

1″ تحولات الحبكة.. مقدمة لدراسة الرواية العربية، د . خليل رزق، مؤسس الأشرف للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1998 ص 21
2″رأس الرجل الكبير “رواية”،عدنان فرزات، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2011 ص 8
3″ الرواية ص 9

4″ الرواية ص 16
5″ الرواية ص 36
6″ الرواية والتحليل النصى.. قراءة من منظور التحليل النفسى، د . حسن المودن، الدار العربية للعلوم ناشرون/منشورات الاختلاف، بيروت/الرباط، 2009 ص 74
7″ الرواية ص 41/42
8″ الرواية ص 42

9″ الرواية ص 80
10″ الرواية ص 80
11″ الرواية ص 85
12″ الرواية ص 108
13″ الرواية ص 109

14″ الرواية ص 110
15″ الرواية ص 112
16″ الرواية ص 133

17″ الرواية ص 134
18″الرواية ص 56
19″ الرواية ص 56
20″ الرواية ص 70
21″ الرواية ص

Print Friendly