قصص ‘عين لندن’ لفاتح عبد السلام: العلاقة المختلّة بين الشرق والغرب

 

حسام الدين محمد

‘عين لندن’ لفاتح عبد السلام مجموعة قصص مفاجئة بمستواها الابداعي الفذ والقادر على استشراف اوقات فاصلة في حيوات ابطالها الموجودين كلهم على مفترق طرق أشبه بهاوية قد تنفتح في أي لحظة.
قصة ‘عين لندن’ التي تحمل المجموعة اسمها تقدم مهندسا عربيا يحمل بالصدفة بعض الخطط الهندسية بعد ان فشل طلبه للتوظف في احدى الشركات ويقرّر ركوب ‘عين لندن’، الجهاز الكبير الدوّار الذي اشتهرت به لندن منذ سنوات، والذي يقدّم رؤية بانورامية من كل الجهات للندن.
يستخدم فاتح عبد السلام الاسم استخداما اخاذا مستفيدا من دلالاته التأويلية وظلال المعنى التي تكتنفه، كما يستخدم روح وسط المدينة الذي يعتبره البطل لندن الحقيقية لأن ‘العيون تتأمل المكان وتمسك بالأشياء لا تدعها تمر بسرعة. كأنها تبحث عن شيء مفقود. والآذان كذلك تحب ان تسمع كل شيء’، وهو وصف في الحقيقة للقاصّ نفسه يجريه على لسان وفكر بطله ليثبت ربما عبث السعي والمفارقة الخطرة التي تقوم فيها الحياة بالتلاعب بالمشاعر والاوضاع التي ينقذف فيها الغريب العربي في لحظة غريبة بأرض غريبة.
يلتقي الغريب العربي عن لندن بغريبة مثله من اوروبا، ونتيجة استخدام مجازي للمعنى في حديث مع أمها حول عمارة المدينة وضرورة ‘نسفها’ ينفتح خطّان فارقان. الأول خط اللقاء بين الشاب والفتاة، الذي يعد بتلاقي الانسانية الطبيعي والعفوي، وخط الرعب المؤدي الى التفارق والأفكار المسبقة الحافلة بدلالات صراع الحضارات والقلق الانساني وسوء الفهم المتبادل.
تشتغل القصة البديعة على هاتين الحركتين الجدليتين، فتنطلق مشاعر الاستلطاف المتبادل بين الشابين، فيما تندلع نار الخوف والتوجس لدى الأم، في تعبير عن ابتعاد الاجيال عن بعضها، وفي علاقة غامضة بين الأمومة الحمائية والعدوانية المنفلتة، المفتشة عن سبب لا منطق فيه اغلب الاحيان، لتنقلب على انسانية الآخر وتغرقه بالاتهامات، وقد تفضي به، رمزيا، واحيانا، واقعيا، الى الاعتقال والموت والاقصاء.
تتصل الأم بالشرطة وتخبرهم ان غريبا يريد نسف ‘عين لندن’ فينطلق عناصر الأمن للحفاظ على معلم من معالم العاصمة الكبيرة.
تقترب نهاية القصة مع نزول العربة التي’ركب فيها الشابان وهما يستغربان من الوجود الكثيف لسيارات الشرطة، فيما تقوم الأم بتركيب صفات المشبوه على الشاب بينما يكون هو يحكي قصة ذات مغزى للفتاة البولندية، عن ثعلب ينزل الى بئر فيه دلوان فيقنع أسدا بالنزول اليه ليصعد بدلوه، ومع انتهاء قصة الشاب بصعود الثعلب وهبوط الأسد تهبط العربة بهما وتتجه الفتاة الى امها لتحكي لها عن هذا الشاب الرائع، تاركا امكانياتها مفتوحة: ماذا ستفعل الشرطة بالشاب، وكيف سيكون موقف الفتاة من ما فعلته أمها، هل يعاود الشابان اللقاء مرة أخرى، اسئلة يتركها الكاتب مفغورة لذهن القارئ.
ولا يدرك القارئ ايّ عربة ركب، ربما، حتى نهاية المجموعة، بعد ان رأى كل معالم عالم فاتح عبد السلام واشتغالاته على مواضيعه مثل الفنان التشكيلي، ملوّنا اياها وناظرا لها من مناظير مختلفة ومطورا لحالات الغربة والمفاجأة ووقوع ابطاله في حوادث تمليها مواضعات لا’يد لهم فيها، فتتركهم منذهلين يتأملون دلالاتها، كما يفعل القارئ نفسه.
مع ‘الشظية لا تزال في ساقي’ تتضح الخلفية التي تشتغل عليها قصص فاتح عبد السلام أكثر، فنلتقي هنا ايضا بعراقي قادم الى لندن حاملا شظية في ساقه من مخلفات الاجتياح الامريكي لبلده، وسرعان ما يجد نفسه في خضم الالتباس، الذي يكاد ابطال فاتح عبد السلام كلهم يعانون منه، التباس اختلافات الجغرافيا والسياسة والثقافات.
هذا الالتباس يتمثل في اندفاع البطل للمشاركة في مظاهرات يقوم بها سائقون، فلا يلبث ان يعتقل بتهمة محاولة قتل شرطي، ولا ينفك الالتباس يتّسع مع اسئلة الشرطة له لمعرفة سبب مشاركته في مظاهرة لا علاقة له بها وعنفه ضدهم، واجوبته الغريبة عن سبب اعتدائه على الشرطي الذي يعزوه الى اصابته بشظية في قدمه في بلد آخر بعيد.
تنفتح الهوّة مجددا لتغمر المكان ومع تفسيراته لسبب ما فعله يزداد التباس′عناصر الشرطة البريطانية لكنه يضيء ذهن المشاهد بالألم الذي يعتمل في قلب العراقي ويدفعه الى ذلك الفعل.
تحضر الشرطة البريطانية في هذه القصة مجددا، كقوة رمزية لاضطهاد المواطن الغريب، دون ان يكون لها يد في ذلك، مدفوعة مرة بغباء امرأة وتطيّرها، ومرّة باندفاع لا شعوري ينتقم فيه عراقي من أذى تعرَض له في بلاده، واضعا ايانا في جوّ سياسي وثقافي تغذّي توتره صراعات العالم من افغانستان والعراق وصولا الى العمليات الارهابية في المدن الغربية.
لا يحتاج الضحيّة هنا لسبب ليصبح ضحية او معتديا، كل ما في الأمر ان هذا العالم المتوتر النازع للانتقام، من مكان في مكان آخر، ومن شخص ما في شعب بكامله، في طقس من الالتباس والخطأ الدائمين.
تتناول قصة ‘ماراثون المسافات القصيرة’ حالة عراقية اخرى لأب كان عدّاء خطيرا ولكنه فجأة وبعمر الخمسين تظهر عليه علائم الكهولة ويصبح فجأة غير’قادر على سماع شيء. لا الأطباء يستطيعون فهم أعراضه، ولا عائلته او اولاده.
يروي العدّاء قصته لطبيب في الأردن، وحين يقرّر الطبيب بعد سماعه للقصة بكاملها التي تكشف تعرّض الرجل لاضطهاد ان لا عيب في اذني الرجل، وان سبب صممه كامن في ان لا أحد ممن حواليه قادر على فهم حالته، وكل ذلك لأن الجميع تواءموا بطريقة او اخرى مع ما حصل في العراق، كأن ما يجري فيه شيء طبيعي.
صمم الرجل اذن هو استنكار لهذا ‘التطبيع′ مع غير الطبيعي وغير العادي وغير الانساني، والذي لا يستطيع الآخرون، لخلل ما فيهم، لا فيه هو، ان يروه.
واذا كان العراقيون هم ابطال القاص المثاليين، فان احدى قصصه تتطرق الى الجانب الآخر من النواس من خلال قصة توماس، الذي ينتظر عودة ابنه الذي قاتل في العراق ثم ذهب الى افغانستان، ويضيء القاص حالة توماس هذا من خلال ذهابه الى الكنيسة كلّما دقّت اجراسها، خائفا ان تكون بذلك تعلن مقتل ابنه.
واذا كان المعنى الظاهر في هذه القصة ان الهمّ يجمع البشر ولو كانوا على طرفي نقيض، فان قصة ‘لحظة الاستنساخ البشري’ تقوم بالغاء هذين الطرفين من خلال تداعيات طويلة يلقيها راوي القصة على نفسه وهو يشاهد معلمه القديم للغة العربية، والشاعر المعروف، بقامته المميزة ومشيته وحركاته، وبعد تردد وتأمل طويلين يقرر ان يسلّم عليه فيكتشف ان الشخص ليس معلمه بل شبيها له اسكتلندي.
تقدّم القصة هنا خياران متعاكسان لقراءتها، الأول يقوم بتطوير خط القصة السابقة، فتغدو اللحظة الانسانية الجامعة والناتجة عن ألم يشترك فيه جندي الاحتلال مع ضحايا الاحتلال، فنشهد هنا اتفاقا في الشكل لا تفرق فيه بين الانسان وتوأمه الا اللغة، والخيار الآخر المعاكس يمكن قراءته على ان التشابه بين البشر لا يجمع بينهم ما داموا قد جاؤوا من ثقافات مختلفة!
يصف الراوي اللحظة التي حاول فيها الاقتراب من معلمه وقد اكتشف انه ليس هو بل شبيه بريطاني له بأنها لحظة مجنونة تتكسر كمرايا منتحرة ويتابع بفقرة تحمل دلالات أخرى باتجاه القراءتين المتعاكستين معا: ‘انبعثت من تلك الصدمة لحظة أخرى، كنت فيها أحني رأسي قليلاً وأميل برقبتي وظهري، رافعاً يدي لأحيي سيارة تمهلت فاسحة لي المجال لأعبر نحو ذلك الرصيف الآخر’.
عبور الراوي الى الرصيف الآخر يشبه هروبا من تلك اللحظة المجنونة لو أردنا تفسيره واقعيا، كما يُحمل على محمل المجاز، فكما عبر شكل الاسكتلندي بالراوي العراقي الزمن نحو معلمه العراقي، فقد عبرت به تلك اللحظة نحو مرآته الأخرى، ورصيفه الآخر الذي تتشكل منه ذواتنا الشبيهة بنا والمنفصلة عنا، بالجغرافيا والتاريخ والثقافة.
يستمر فاتح عبد السلام في حفر المعاني هذا وفي تفحص امكانياتها وثغراتها، ففي بداية قصة ‘حديقة عباس في ساوث هول’ نشهد زوجين انكليزيين يراقبان عائلة عراقية في حي أغلبه من الهنود فيستنتجان انهما ‘الغريبان الوحيدان’ في تلك المنطقة وليس العكس، في قلب لمعنى الغربة، كما ان خيط القصة الأشبه بالواقعية الغرائبية يتحدث عن حراثة والد البطل العراقي لحديقة منزله في اليوم الأول لقدومه للبيت في منطقة ساوث هول ليبث البركة في البيت. تتناقل الناس خبر هذه الحراثة وتتحول لظاهرة قومية تكتب عنها المقالات وتبث عنها الاخبار، بحيث ان الملكة نفسها تقرر تجريبها وترسل رجلين من القصر لاستشارة والد الرجل لنكتشف انه عاد قبل سبع سنوات الى العراق ومات قبل سنتين.
تحاكم هذه القصة مفاهيم الشرق والغرب عن بعضهما البعض وعن تبادلهما الغريب للاساطير، واذا كان القاص اختار الأسلوب الغرائبي لتقديم سرديته، على عكس قصصه الأخرى، فان ذلك يبدو مبررا بدافع رغبته في تطوير فرضياته وتحويلها لحكايات.
وكما لو كان يفتح قوس التجريب على آخره، ينقل فاتح عبد السلام حركة السرد والتخييل لديه باتجاه اعلى واكثر فانتازية مع قصته الأخيرة ‘جنية الساعة الحادية عشرة’، حيث يشاهد البطل، امرأة عجوزاً تعبر امام بيته كل يوم في الساعة والدقيقة نفسها ثم تختفي في بيت قريب الى بيته، فيفترض، لأسباب تتعلّق بشكل المرأة وطريقة لباسها ودقة توقيتها اليومي واختفائها المفاجئ، انها جنية، فيحاول الاستعلام عنها من جاره الذي يؤكد له ان لا أحد يزوره، ثم لتغيب في اليوم التالي حين قرّر انتظارها مجددا لكشف سرها.
يتفاجأ السارد بقدوم جاره اليه طالباً معونته لأن جارته العجوز التي كانت تدخل من ثقب في الحديقة قد ماتت.
لكن المفاجأة الاكبر ان الراوي، رغم مساعدته في نقل الجثة، لا يكف عن الظن بأن الجنية ستعود.
*
يعيش ابطال فاتح عبد السلام في صراط دائم بين عالمين، الى ان يقع المحظور بانكسار الفجوة بين هذين العالمين.
اللقاء بين هذين العالمين محفوف بالمخاطر والأحكام المسبقة والأساطير، لكن هذين العالمين ليسا الشرق والغرب فحسب، وان كانت عناصر الغموض والسر والتفجر تكتنفهما أكثر من غيرهما، والمعادلة يمكن تعميمها بحيث يصبح الواحد اثنان، فيتحول الجسد الى غرب والشرق الى روح، ويتشظى العالم متكسرا بين اب وابنائه، او بين عراقي وشرطي بريطاني، او بين فانتازيا وواقع، وباختلاطهما معا بحيث يصبح’الواقع فانتازيا او الفانتازيا واقعا.
‘عين لندن’ هي عين القاص الرائي من فوق الى الاختلالات العميقة التي لا يراها الباقون، واغلب ابطاله، هم من هذا النمط الحسّاس القابل للانكسار امام اللحظة الملتبسة، يدورون معه في عين لندن تلك، ممسوسين جميعا بتلك العلاقة المختلّة بين الشرق والغرب والتي كانت من علاماتها هجمات ايلول النيويوركية واجتياح افغانستان والعراق والتأثيرات الهائلة التي طبعت شعوب العالم نتيجة هذه العاصفة التي اجتاحت المعمورة، وبالخصوص، العراقيون الذين كانوا في عين هذه العاصفة، وهم، بين الحينة والأخرى، يجلسون في عربة من عربات فاتح عبد السلام هذه التي تدور كعين لندن، مغيّرة بشكل غير متوقع مصائر الأشخاص والأمم، فاذا بواحدة تهبط الى الجحيم، واخرى تنهض من الموت، وثالثة تتفرج ولا تفهم لماذا يتعذب كل هؤلاء الناس، الذين تقاس اعمارهم لا بالسنوات بل ‘بالأحداث’ كما تقول بطلة احدى القصص.

القدس العربي 2011-11-21

Print Friendly