قراءة ثقافية في قصص قارىء الوجوه

سرديات الخبرة الشعبية

محمد قاسم الياسري

بغداد

بعد صدور كتابه الرابع ( قارىء الوجوه ) قصص قصيرة بانت ملامح تجربة القاص ” سالم حميد ” الابداعية ، ووصلت الى حد لا يمكن تجاوزها او اهمالها ، اذ شكلت هذه المجموعة القصصية الاخيرة اتماماً لخط سير القص الذي أخذ منحاً تصاعدياً منذ بداية نشره لاول قصص قصيرة ولحد هذه اللحظة . منحاً اخذ ينمو بإطراد نحو مسك النص المفقود ، النص الذي لم يكتبه “سالم حميد” بعد ، ولكننا من خلال مقاربة المجموعة القصصية الاخيرة هذه نحاول تحديد ملامح ذلك النص المفقود الذي يجتهد القاص في البحث عنه من عقدين من الزمان .

يمكن قراءة قصص المجموعة بوصفها استجابات إبداعية لتوترات الخبرة الشعبية اليومية وتناقضاتها، حينما تكون هذه الخبرة مشروطة بممارسات ثقافية محلية تعتمد التسامح والحوار وحسن الرفادة والجوار، جنب الى جنب مع العلاقات السياسية والاقتصادية الخاضعة لتنظيم عالي الكفاية. ويقترح القاص من وراء هذه القصص تفسيراً معقولاً للخبرة لا يقوم بتطبيعها و لا بردها الى الخطاب المتمظهر في حوارات الشخصيات مع بعضها البعض، بل يأخذ في الاعتبار تعقيدات الخبرة التاريخية والعلاقات المتبادلة بين الخبرة والكتابة، وهذه احدى تدخلات المؤلف الحقيقي في متون نصوصه، وغرض هذه التدخلات كسر توقعات القارىء وإيهامه ان ثمة حدث حقيقي يقترف في خضم الوقع الكتابي، حدث ثقافي يكمن في سرديات الخبرة الشعبية الاكثر بساطة والافضل صورية، وإبرازها بطريقة تضع دلالات هذه السرديات  (وهي دلالات واعية بدون شك) في لٌب الخطاب الثقافي الذي يتداول الآن، وعلى نطاق واسع، وانتزاع الاعتراف بهذا الخطاب بوصفه تحدياً يواجه مخيالاتنا وهي تبحث عن معنى انساني يوضح لنا سبب ما المّ بحياتنا من فوضى مرعبة، شاملة، وغامضة.

حد مقبول

لقد وفق ” سالم حميد ” الى حد مقبول في صوغ قصص قصيرة هي عبارة عن تمثيلات تتوسط بين المتلقي والخبرة التي تعرضها الثقافة المحلية في هوامش المدن والقرى المرتجلة، وهوامش الحياة غير النقية التي يتعرض لها الانسان الوحيد، الضعيف، والمهمل وسط ضغوط قاهرة. على سبيل المثال، تعرض قصص (دهشة البريكان، انوثة الحرية، النصف المعلوم، الخارج من النوم، على رقعة الشطرنج) خبرة ادراك المواقع، وكيفيات الدفاع عنها او حيازتها من خلال خوض حروب فعلية على المستويين الشخصي والمحلي، وبتوسطية لغة اخبارية سلسة يمارس القاص عملية تنشيط التوقعات وتغذيتها بالنصوص الموازية (الرموز والاشارات والشفرات الموحية)، وبذلك يحاول اظهار كل الخبرات الشعبية امامنا كما لو كانت مجرد انعكاسات لواقع ملعون بخارجيته. وعلاوة على هذا يظهر الاستنتاج القرائي، اثناء مواصلة القراءة او بعد نفض اليد منها، وكأننا ازاء رسالة بيدوغوجية (تعليمية) لا يسعنا تخطيها، وهي : ان الواقع الذي ندركه ونعيش فيه هو في حد ذاته قد انتجته قوى اجتماعية وتاريخية عاشت قبلنا، واستمرت في العيش بين ظهرانينا، ولا يمكن الافلات منها او الفكاك من تمشكلاتها البنيوية والانطولوجية مع مصائرنا المرهونة بسلوكنا الطبيعي الذي حددته الثقافة والبيئة، وبالترتيبات الاجتماعية الموروثة وقد شيدها التاريخ (تقادم الازمان). انظر قصص (صانع الاكاذيب، صلاة في المرآة، رائحة الماضي، كانت هنا).

اذن، حققت القصص هدفها، من خلال ادماج الخبرات الشعبية في متونها، لكي نواجه نحن القراء العالم، عالمنا او العالم الكتابي الذي حصلنا عليه للتو، من خلف عدسات صقلتها الايديولوجيات المتصارعة، ليس هذا فقط، بل هناك المواجهة التي ستأتي لاحقا مع الواقع السابق على القراءة، أي الواقع السابق على الخطاب، لانه ما يزال حاضرا ينتظرنا بشغف خلف الابواب الموصدة والشبابيك.

 من هنا نستطيع ان نؤكد ان نصوص الخبرة وقراؤها المتكاثرون لا ينجحون في تجنب التساؤلات وعلامات الاستفهام التي يثيرها النقد الجذري لنصوص تزعم انه فقط بحكم الممارسات الخطابية التي تميّز وتنظم الموضوعات يبلغ المرء الوعي بهويته، ورغباته، ومصالحه، والمجالات المتمايزة للوجود، وكذلك السحنات المتمايزة للوجوه، وهذا هو اصل العنونة للمجموعة القصصصية ككل (قارىء الوجوه) فالخطاب يظهر دائما كمنظومة دينامية متغيرة، رجراجة، تخلق المعنى من خلال التمايز والاختلاف وفقا لسياقات خاصة وتشكيلات معينة، وهذا ماهجسناه في التحيزات الثقافية التي تؤثر في الخبرة وتمتحنها، فلا خبرة على الاطلاق خارج الخطابات التي تحدد الهويات، وتجعل الاحلام متطلبات طبيعية، ولا تقصل الشخصي عن السياسي، بغية بناء الذوات التي تعي ما يحدث فيما حولها من شجون وتعلاّت لها علاقة بمسخ الهوية او صقلها.

ان سرديات الخبرة الشعبية بتشخيصها لشجون الواقع تفرز العمليات الايديولوجية التي تعصف بالراهن المُعولم، وكذلك تُعزز فرضيات الوعي المعرفي الذي جاء من الاحتكاك الجدي بالميدان كيما يوثق حيوات أولئك المنبوذين او الذين جرى التغاضي عنهم في حسابات الناجين من كوارث الحروب المتسلسلة والحصارات الداخلية والخارجية التي عصفت بالبلاد طيلة ربع قرن ونيف. انظر قصص (مُعلم الموتى، انا مجنون، الغرق في بحيرة الوهم، نصف عاقل نصف مجنون، جديلة الحروف).

جاء التركيز على ابراز الخبرة الشعبية كتصويب لا بد منه للسهو الناتج عن رؤية غير دقيقة وغير ناضجة لمجمل الطروحات الثقافية التي حاولت ان تشخص امراض الواقع الوطني، ولهذا افترض القاص ” سالم حميد ” ان هوية المهمش والمنبوذ يعوزها كشف النقاب لكي تكون مفهومة من خلال استعمال المنطق الكامن  خلف وداخل الكتابة، وتوريطها في حقل الفحص القرائي، لفضحها على الملأ، وفضح العمليات الخطابية المنتجة لها او المتسترة عليها، وكذلك – كجهد نقدي – فضح التناقضات الايديولوجية التي تعيق القراءة الفعّالة لهذه النصوص من خلال توظيف سرد سيمتري بسيط، بلغة شفافة لا يعوزها الادهاش وشد الانتباه حين تساوي بين الخبرة الواقعية (الخارجية) وتمثيلات الخبرة الكتابية (الداخلية)، مما يتسنى للقارىء الحصيف ان يعي دوره في ابدال تأويل بآخر، بعيدا عن التلاعب بالتأويلات المتضادة، وبهذا تكون الخبرة (وهذا درس بيداغوجي آخر) محصلة ما يكون المرء قادراً على تصوره بفعل الانماءات الفكرية، وبالتالي قادراً على ان يراه ويتمعن فيه.

ان اعادة سرد حكاية وقعت لانسان ما، والتي تكمن وراءها خبرة شعبية لا تتطلب معرفة كاملة بذات الانسان، او تحليلاً اجتماعياً ميدانياً، بل تتطلب الشجاعة على مواجهة القوى التي تحتكر الواقع وترمي بثقلها على خيارات ذلك الانسان وتحركاته، والاسهام الجدي في رسم حدود القوة والمقدرة التي تتمتع بها تلك القوى النهمة.

ان التورط بالمواجهة بين الفرد المفرد والقوى القاهرة، بين التصورات الفردية والتصورات العامة، هو الذي سيشكل سياقاً بفعل القص يسهم في انضاج الوعي الجمعوي، مما يؤدي الى ازاحة التعارض بين الحياة العامة والحياة الخاصة، ويرسخ موقفاً يقاوم المفاهيم الباطلة التي وقد نشرتها ارتكابات افعال السياسية المنحرفة.

لا يقتصرهدف سرديات الخبرة الشعبية على مجرد اعلاء ما هو شخصي \ فردي فوق ما هو جمعوي \سياسي، بل هدفها الاهم اعادة صياغة الخبرة الشعبية بوصفها جزءاً من نضال مشترك، وبذلك تغدو هذه النصوص بمثابة انعاش للذاكرة الجمعوية ضد التشيؤ والانسحاب والنسيان الذي طوى المجتمع المحلي تحت رداءه الاسود الثقيل.

ان تحديد موقع ” الخبرة الشعبية ” وادراجها في سياق عام، يبرهن على ان الممارسات الخطابية تدعم “واقعاً ” موجودا قبل ولادة الخبرة الشعبية، وسيستمر في الوجود بعد ان يٌدعّم بالخبرة التي انتجها، لان الكتابة التي تبحث عن المصيدة النسقية للخبرة الشعبية تطرح في قلب الجدالات النقدية تلك التساؤلات والاهتمامات المستبعدة من اهتمامات الاسترتيجيات السياسية المهيمنة، وهي استراجيات تعززها التراتبات الهرمية : البطرياركية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، وكذلك تَتَدعم بها.

ولادة متميزة

ان السرديات التي نحسبها في عداد الخبرات المتميزة ابداعياً وتاريخياً وكفاحياً لا يعوزها التبجيل السياسي لانها سرديات اكتنزت بموضوعات ايديولوجية ولدت في التاريخ المحلي وفي الجغرافيا الوطنية، وبإمكانها مساعدة الاغلبية المتكاثرة من المهمشين على مواجهة اشكال متعددة من العنف، وتطوير استبصارات وفعاليات ضروريتين لمقاومة تلك القوى التي تقف وراء اشكال العنف الممنهج، واذ تفعل هذا فانها لا تعود مجرد اعادة سرد للواقعة المبهرة، بل ايضا تحدد الموقع الاجتماعي الذي ينطلق منه مخيال يستشرف مستقبل واعد، وبمقدورنا القول ان القصص التي تأخذ في حسبانها ان تنشر التناقض امام جمهور القراء، ان تنشر جوانب ظلت حتى وقت انتاج النصوص مسكوتاً عنها، انما هي قصص تٌجسّر الماضي بالمستقبل، قصص تقف على ارضية ماضوية، غير انها بتقديمها منظوراً خلاقاً مستجداً للماضي، انما تثري خبرتنا بالحاضر، وتقاطع زخماً يبدو منطلقاً من التاريخ، وتمكننا من تصور تمثيلات جميلة ومطمئنة للمستقبل والعمل المتجه صوب تلك التمثيلات المأمولة. وعلى هذا النحو تغدو اعادة كتابة اسطورة التقدم، حيث لا نفهم التقدم بلغة الدجل الغامضة، الكئيبة، بل بلغة الاشراق والامل والعقل الصاحي المتمفصل مع احدث طروحات الحداثة. وهذا ما نجده في نص ” إهداء ” المسهب الذي تصدر المجموعة.

ان كثافة الخبرة الشعبية وتعدديتها والتوتر الحاصل في مفاصلها الحيوية يجعل منها منبعاً ثراً لمعطيات كبيرة، والسرديات التي تأخذ في حسبانها هذه التوترات ليست تقارير إنبائية عن ما وصله الرأي العام، وليست ريبورتجات ميدانية عما آلت اليه الاوضاع الاجتماعية ومن يتلاعب بعقول الناس، بل هي تمثيلات ابداعية واشكال ادبية تدعو للمجاهرة بقضايا هامة وحساسة تمس حياة البسطاء الذين يعيشون في الظل، من خلال ضبط الكتابة بطريقة تجعل الصور المروية تمكن المؤلف الحقيقي من مواجهة هذه التوترات التي مرت بالخبرة الشعبية بشكل بناء اكثر، وكذلك تعلم القراء كيفيات وضع حيواتهم داخل سرديات الآخرين كيما يتحقق حلم تحدي الثقافة المهيمنة، واعادة النظر في هوياتهم في ضوء تلك السرديات، والانطلاق قُدما لمتابعة فهم اعمق للواقع والتزاماته المعطلة وهي تمد نطاق استعمالاتها في اللغة وخطاباتها المتناطحة، وفي الظواهر المرعبة التي تستعصي على فهومات المنطق السوي.

لقد نجح القاص “سالم حميد” في ايصال رسالته الينا بشكل شفاف، مثمر، يحتفي بالالتباسات الفاعلة، بعيدا عن الاثنينيات العرقية والطائفية التي تجوب الساحات والشوارع طوال الليل والنهار.

33670

Print Friendly